الشنقيطي
267
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
دِيارِكُمْ [ الممتحنة : 8 ] الآية ، واللّه تعالى أعلم . قوله تعالى : أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ [ 46 ] . هذا استفهام إنكاري يدل على أنه لم يسألهم أجرا على دعوته إياهم . وقال تعالى : قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [ الشورى : 23 ] فالأجر المسؤول المستفهم عنه هو الأجر المادي بالمال ونحوه . وقد تقدم للشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه مبحث الأجر على الدعوة من جميع الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين . ومبحث أخذ الأجرة على الأعمال التي أصلها مزية اللّه بحثا وافيا عند قوله تعالى وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ [ هود : 29 ] من سورة هود . قوله تعالى : فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ ( 48 ) [ 48 ] . لم يبين هنا من هو صاحب الحوت ، ولا نداءه وهو مكظوم ، ولا الوجه المنهي عنه أن يكون مثله ، وقد بين تعالى صاحب الحوت في الصافات في قوله تعالى : وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 139 ) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ إلى قوله : فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ [ الصافات : 139 - 142 ] . وأما النداء فقال الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه : قد بينه تعالى في سورة الأنبياء عند قوله تعالى : وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ( 87 ) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [ الأنبياء : 87 - 88 ] . فصاحب الحوت هو يونس ، ونداؤه هو المذكور في الآية ، وحالة ندائه وهو مكظوم . أما الوجه المنهي عن أن يكون مثله فهو الحال الذي كان عليه عند النداء ، وهو في حالة غضبه ، وهو مكظوم ، وهذا بيان لجانب من خلقه صلى اللّه عليه وسلم وتخلقه في قوله تعالى : فَاصْبِرْ أي على إيذاء قومك ، ولعل هذا من خصائص وخواص توجيهات اللّه إليه ، كما في قوله تعالى : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ